علي بن أحمد المهائمي
609
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
( فإنه عين واحدة ) من حيث إنه ميل ، وإن كان أحد المثلين بلا متابعة دليل كشفي ، أو عقلي ، أو نقلي والآخر بمتابعته ، فهو أمر مشترك ( في كل عابد ) ، فالكل يعبده مع أن عابد اللّه ينكر عبادته للهوى ، ( وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ [ الجاثية : 23 ] ، أي : حيره ) في عبادته للهوى ، وفي عبادة الحق على علم ( بأن كل عابد ما عبد إلا هواه ) بالذات ، ( ولا استعبده ) أي : ولا أمره بعبادة اللّه ، أو عبادة غيره ( إلا هواه ) ، فامتثل أمره وهو العبادة الحقيقية ، لكنهم ذهلوا عن عبادة الهوى ، واتخاذهم إياه إلها ، وإن علموا أنهم لا يصدرون إلا عن أمره ( سواء صادف الأمر المشروع ) ، وهو عبادة اللّه تعالى ( أو لم يصادف ) ، فيحار في أنه لم كفر عابد الأصنام ، ولا يكفر عابد اللّه مع أنه أيضا يعبد هواه ، وهذه الحيرة للحق من لا يكون عارفا كاملا ، ( والعارف المكمّل من رأى كل معبود ) سوى اللّه تعالى ( مجلى للحق يعبد ) الحق ( فيه ) ، فعابد اللّه تعالى لا يعبد الهوى لقصده عبادة الحق ونفيه قصد عبادة المجلي ، وعبادته وإن صدرت عن أمر الهوى ، فليس ذلك أمر الهوى من حيث هو هوى ، بل من حيث إنه تابع لأمر الحق كالرسول والوارث . ( ولذلك ) أي : ولكون كل معبود سوى اللّه مجلى للحق ليس عينه من كل وجه ، بل من وجه ( سموه إلها ) ؛ لظنهم أن المجلي في حكم من ظهر فيه ( مع اسمه الخاص ) ، فسموه ( عجزا وسحرا ، وحيوانا أو إنسانا ، وكوكبا وملكا ) « 1 » استوعب الأنواع مع الترقي ؛ ليشير إلى أن اتخاذهم الإلهية إلا على عين إنكاره الإلهية الأدنى ، مع أنه لا دليل لهم على إلهية الأعلى أيضا ما لم يقم لهم دليل على أنه لا أعلى منه في الوجود ، مع أن ( هذا ) الاسم هو الاسم الحقيقي ؛ لأنه ( اسم الشخصية ) ، وهو أخص الأسماء الحقيقية . [ والألوهيّة مرتبة تخيّل العابد له أنّها مرتبة معبوده ، وهي على الحقيقة مجلى للحقّ لبصر هذا العابد المعتكف على هذا المعبود في هذا المجلى المختصّ ، ولهذا قال بعض من عرف مقالة جهالة : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] مع تسميتهم إيّاهم آلهة ، حتّى قالوا : أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ ص : 5 ] ، فما أنكروه بل تعجّبوا من ذلك ، فإنّهم وقفوا مع كثرة الصّور ونسبة الألوهيّة لها ، فجاء الرّسول ودعاهم إلى واحد يعرف ولا يشهد ، بشهادتهم أنّهم أثبتوه عندهم واعتقدوه في قولهم : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] ، لعلمهم بأنّ تلك الصّور حجارة ، ولذلك قامت الحجّة عليهم بقوله : قُلْ سَمُّوهُمْ [ الرعد : 33 ]
--> ( 1 ) في نسخة : « بحجر أو شجر » .